مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد أيوب

>

قمة تنسيق أمني وسياسي.. رؤية جديدة لشراكة تصنع الاستقرار



تتحدد العلاقات بين الدول بحجم المصالح المتبادلة، وبقدرتها على بناء رؤى مشتركة تستجيب لتعقيدات الواقع وتستشرف تحديات المستقبل، وتأتي القمم واللقاءات التي تجمع القيادات العربية الكبرى كمنصات لصياغة التفاهمات الاستراتيجية، وتطوير آليات العمل المشترك، خاصة في ظل بيئة إقليمية تتسم بارتفاع مستويات عدم اليقين، وتزايد التهديدات الأمنية، وتشابك الملفات السياسية والاقتصادية، وتعد القمة المصرية - السعودية نموذجًا مهمًا لهذا النوع من التنسيق الاستراتيجي؛ فهي تستند إلى رصيد تاريخي عميق، وإدراك مشترك بأن أمن المنطقة أصبح وحدة مترابطة، وأن استقرار أي دولة يرتبط بصورة مباشرة باستقرار محيطها الإقليمي، فالقاهرة والرياض تمثلان ثقلين رئيسيين في العالم العربي، وما يجمعهما يتجاوز حدود العلاقات الثنائية إلى مسؤولية أوسع تجاه قضايا الأمن والاستقرار والتنمية.
تشهد المنطقة العربية مرحلة استثنائية تتعدد فيها مصادر التهديد؛ فهناك الصراعات الممتدة، والتدخلات الخارجية، وتحديات الأمن البحري، وأزمات الدول الوطنية، فضلًا عن التحولات في النظام الدولي وتغير طبيعة الصراعات من المواجهات التقليدية إلى أشكال جديدة ترتبط بالأمن السيبراني، والطاقة، والغذاء، والاقتصاد، والتكنولوجيا، وفي ظل هذه البيئة المعقدة، يصبح التنسيق الأمني والسياسي بين مصر والسعودية ضرورة استراتيجية، ليس بهدف التعامل مع الأزمات فقط، وإنما للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدمًا تقوم على استباق المخاطر وبناء القدرة على التأثير، فالدول المؤثرة تعمل على صياغة بيئة إقليمية أكثر قدرة على احتواء التوترات وتحقيق التوازن، ومن ثم تأتي أهمية الرؤية المصرية - السعودية التي تربط بين الأمن والاستقرار والتنمية باعتبارها دوائر متكاملة.
يمثل التنسيق السياسي بين القاهرة والرياض أحد أهم عناصر الحفاظ على التوازن الإقليمي، خاصة في القضايا التي تمس الأمن العربي بصورة مباشرة، فالتوافق بين البلدين حول أهمية الحلول السياسية، واحترام سيادة الدول، والحفاظ على مؤسساتها الوطنية، يعكس رؤية مشتركة تقوم على أن استقرار المنطقة يتحقق من خلال دعم الدولة الوطنية وتعزيز قدرتها على أداء دورها، وفي مقدمة الملفات التي تتطلب استمرار التنسيق تأتي القضية الفلسطينية، التي تمثل جوهر الاستقرار في الشرق الأوسط. فالمواقف المصرية والسعودية تؤكد ضرورة وقف التصعيد، وحماية المدنيين، ودعم الجهود الرامية إلى تحقيق سلام عادل وشامل يضمن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، باعتبار أن استمرار غياب الحل العادل يظل مصدرًا رئيسيًا للتوتر وعدم الاستقرار، كما يبرز التعاون بين البلدين في ملفات البحر الأحمر ومختلف الصراعات بالمنطقة حيث تتطلب طبيعة هذه الأزمات مقاربات متوازنة تجمع بين الحفاظ على الأمن القومي العربي ودعم الحلول السياسية التي تمنع استمرار الصراعات.
تؤكد التجارب الدولية أن الأمن المستدام  يتحقق بالقوة وبامتلاك مقومات التنمية والقدرة على بناء مجتمعات مستقرة ومزدهرة؛ ولذلك فإن التنسيق المصري - السعودي يحمل بعدًا تنمويًا وسياسي وأمني، فالتكامل بين قدرات البلدين يمكن أن يفتح آفاقًا واسعة في مجالات الاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا والصناعة والأمن الغذائي، بما يعزز مناعة المنطقة في مواجهة الأزمات العالمية، كما أن الاستثمار في الإنسان، والتعليم، والابتكار، والتحول الرقمي يمثل أحد أهم المسارات التي تحدد قدرة الدول على المنافسة والتأثير في المستقبل، فالأمن الحقيقي هو الذي يخلق بيئة تسمح بالنمو، والتنمية هي التي توفر أساسًا أكثر صلابة للاستقرار، ومن ثم فإن أي رؤية استراتيجية للعلاقات المصرية - السعودية لا بد أن تنظر إلى التعاون الاقتصادي والثقافي والمعرفي باعتباره جزءًا أصيلًا من منظومة الأمن الشامل.
تتميز العلاقات المصرية - السعودية بأنها قائمة على عناصر ثابتة تتجاوز تغير الظروف؛ فهناك روابط تاريخية وشعبية وثقافية عميقة، إلى جانب إدراك متبادل لأهمية دور كل دولة في محيطها العربي؛ ولذلك فإن القمم واللقاءات بين البلدين تعكس مسارًا مستمرًا من التشاور وبناء الثقة، خاصة في مرحلة تتغير فيها موازين القوى الدولية، حيث تحتاج المنطقة العربية إلى نماذج من التعاون القادرة على الجمع بين الواقعية السياسية والطموح الاستراتيجي، فالتحديات الكبرى تواجهها الدول من خلال تحالفات وشراكات تقوم على المصالح المشتركة والرؤية الموحدة، ومن ثم فإن القمة تحمل رسالة تتجاوز حدود البلدين؛ مفادها أن الاستقرار العربي يحتاج إلى إرادة سياسية قادرة على التنسيق، ورؤية تنموية قادرة على البناء، وشراكات قادرة على تحويل الإمكانات إلى إنجازات.
إن قمة التنسيق الأمني والسياسي بين مصر والسعودية تعكس إدراكًا عميقًا بأن المرحلة الراهنة تحتاج إلى تجاوز ردود الأفعال نحو بناء استراتيجية طويلة المدى، تجعل من التعاون وسيلة لصناعة المستقبل، فالقوة في عالم اليوم تكمن في امتلاك عناصر النفوذ والقدرة على توظيفها بحكمة لخدمة السلام والتنمية والاستقرار، فالدول التي تنجح في بناء جسور الثقة والتكامل هي الأقدر على حماية مصالحها وصياغة موقعها في عالم سريع التغير، ومن ثم تبقى الشراكة المصرية - السعودية إحدى الركائز المهمة في معادلة الأمن العربي، لما تمثله من ثقل سياسي واستراتيجي، وبما تحمله من قدرة على فتح الطريق نحو مرحلة أكثر استقرارًا وتعاونًا وازدهارًا للمنطقة بأسرها.
وتبقى الحقيقة الراسخة أن استقرار الأوطان تصنعه حكمة القرار، وعمق الرؤية، وقدرة الدول على بناء جسور التعاون في زمن تتعاظم فيه التحديات وتتسارع فيه التحولات، فالأمم العظيمة تحافظ على مكانتها بما تملكه من مقومات القوة وما تمتلكه من إرادة واعية لتحويل الاختلافات إلى توافقات، والمخاطر إلى فرص، والإمكانات إلى إنجازات تصنع أثرًا ممتدًا في مسيرة التاريخ، وتمثل الشراكة المصرية-السعودية نموذجًا لإرادة عربية تدرك أن المستقبل يبنى، وأن الأمن الحقيقي يترسيخ بدعائم التنمية والاستقرار والثقة المتبادلة، ومن ثم، فإن القاهرة والرياض تتحملان مسؤولية تتجاوز حدود المصالح الثنائية، لتلامس مسؤولية أوسع تجاه أمن المنطقة ومستقبلها، انطلاقًا من دورهما المحوري في صياغة معادلة عربية أكثر توازنًا وقدرة على مواجهة تحديات الحاضر وصناعة آفاق المستقبل.

بقلم
أ.د/ مها محمد عبد القادر
أستاذ أصول التربية
كلية التربية للبنات بالقاهرة - جامعة الأزهر